الإنفاق الأسترالي يتراجع في ديسمبر بعد موسم التخفيضات
شهد الإنفاق الاستهلاكي للأسر الأسترالية تراجعاً طفيفاً خلال شهر ديسمبر الماضي، وذلك بعد فترة من النمو القوي المدفوع بموسم التخفيضات والمبيعات الكبرى. ورغم هذا الانخفاض الشهري، إلا أن البيانات الفصلية أظهرت قوة في حجم المبيعات، مما يدعم قرار البنك الاحتياطي الأسترالي برفع أسعار الفائدة مؤخراً في محاولة للسيطرة على التضخم المتصاعد.
تفاصيل الأرقام الشهرية والسنوية للإنفاق
كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاءات الأسترالي يوم الاثنين أن مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشهري انخفض بنسبة 0.4% خلال ديسمبر ليصل إلى 78.86 مليار دولار أسترالي. يأتي هذا التراجع بعد ارتفاع ملحوظ بلغت نسبته 1.0% في نوفمبر و1.4% في أكتوبر.
على المستوى السنوي، تباطأ معدل نمو الإنفاق الاستهلاكي بشكل واضح ليسجل 5.0% مقارنة بـ6.3% في الفترة السابقة. هذا التباطؤ يعكس تأثير عوامل موسمية وتوقيت عمليات الشراء التي قام بها المستهلكون.
تفسير التراجع: تأثير المبيعات الموسمية
أوضح مكتب الإحصاءات الأسترالي أن الانخفاض المسجل في ديسمبر لا يعكس بالضرورة تدهوراً حاداً في الطلب الاستهلاكي، بل يرجع في المقام الأول إلى عامل التوقيت. فقد شهد شهرا أكتوبر ونوفمبر نشاطاً استهلاكياً مكثفاً نتيجة لفعاليات المبيعات الكبرى والأحداث الثقافية التي عززت الإنفاق بشكل كبير.
هذه الظاهرة تشير إلى أن الأسر الأسترالية قامت بتقديم مواعيد مشترياتهم للاستفادة من العروض والتخفيضات المتاحة خلال موسم التسوق في أكتوبر ونوفمبر، مما أدى إلى انخفاض طبيعي في الإنفاق خلال ديسمبر.
الصورة الفصلية تظهر قوة الطلب
على الرغم من التراجع الشهري، فإن الأرقام الفصلية تروي قصة مختلفة تماماً. ارتفعت أحجام المبيعات بنسبة 0.9% خلال الربع الرابع من العام، وهو نمو قوي من المتوقع أن يضيف حوالي 0.3 نقطة مئوية إلى الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الأرقام تؤكد أن الطلب الاستهلاكي لا يزال يمثل محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي في أستراليا، وهو ما يثير قلق البنك المركزي بشأن الضغوط التضخمية المستمرة في الاقتصاد.
قرار البنك الاحتياطي برفع الفائدة
جاءت هذه البيانات بعد أيام قليلة فقط من قيام البنك الاحتياطي الأسترالي برفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 3.85%، في أول زيادة للفائدة منذ أكثر من عامين. جاء هذا القرار استجابة لتجدد الضغوط التضخمية في الاقتصاد.
بلغ معدل التضخم الرئيسي 3.6% في الربع الأخير من العام، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 4.2% بحلول يونيو المقبل، وهو مستوى يتجاوز بشكل كبير النطاق المستهدف للبنك المركزي والذي يتراوح بين 2% و3%.
عوامل الضغط التضخمي
تساهم عدة عوامل في استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأسترالي. يأتي في مقدمتها الإنفاق الاستهلاكي القوي الذي تظهره البيانات الأخيرة، بالإضافة إلى أسعار العقارات التي سجلت مستويات قياسية مرتفعة.
كما أن شروط الائتمان لا تزال سهلة نسبياً، مما يسهل على الأسر الحصول على القروض ومواصلة الإنفاق. كل هذه العوامل مجتمعة أثارت مخاوف من أن الأوضاع المالية قد لا تكون مقيدة بما يكفي للحد من التضخم.
توقعات الأسواق لمزيد من رفع الفائدة
استجابت الأسواق المالية لهذه التطورات بتعديل توقعاتها لمسار السياسة النقدية. تشير عقود مبادلة أسعار الفائدة حالياً إلى احتمالية بنسبة 74% لرفع آخر للفائدة في مايو المقبل.
علاوة على ذلك، تسعر الأسواق حالياً حوالي 37 نقطة أساس من التشديد النقدي الإضافي خلال عام 2026، مما يعكس قناعة المتداولين بأن البنك الاحتياطي سيواصل سياسته التشديدية لفترة أطول.
تفاصيل القطاعات المختلفة
على مستوى التفاصيل القطاعية، أظهر تحليل الإنفاق في ديسمبر انخفاضاً بنسبة 0.5% في مشتريات السلع، وكان التراجع مدفوعاً بشكل أساسي بضعف الطلب على عدة فئات رئيسية.
شملت القطاعات الأكثر تأثراً الملابس والأحذية، حيث قلص المستهلكون إنفاقهم بعد موسم التسوق المكثف. كما تراجع الطلب على الأجهزة المنزلية والأدوات، مما يشير إلى أن المستهلكين قاموا بإتمام مشترياتهم الكبيرة خلال فترة التخفيضات.
أما على صعيد الخدمات، فقد انخفض الإنفاق بنسبة 0.3%، مدفوعاً بانخفاض النفقات على النقل والخدمات الصحية، وهو ما قد يعكس عودة إلى أنماط الإنفاق الطبيعية بعد فترة الأعياد.
التوقعات الاقتصادية المستقبلية
ينتظر الاقتصاديون أن تؤثر تكاليف الاقتراض المرتفعة على النشاط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، لكنهم لا يتوقعون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الاستهلاك بشكل كامل.
يقول بن أودي، كبير الاقتصاديين في أوكسفورد إيكونوميكس أستراليا، في تصريحات لوكالة رويترز: “سيؤثر رفع البنك الاحتياطي لأسعار الفائدة الأسبوع الماضي على نمو الإنفاق في عام 2026”. لكنه أضاف أن تراجع التضخم ونمو الأجور القوي يجب أن يساعدا في منع انخفاض حاد في الطلب الاستهلاكي.
العوامل الداعمة للإنفاق
تشير التوقعات إلى أن عدة عوامل ستساعد في دعم الإنفاق الاستهلاكي رغم ارتفاع أسعار الفائدة. يأتي في مقدمتها نمو الأجور الذي لا يزال قوياً، مما يوفر للأسر دخلاً إضافياً يمكن إنفاقه.
كما أن التوقعات بتراجع التضخم تدريجياً ستساعد في الحفاظ على القوة الشرائية للمستهلكين. بالإضافة إلى ذلك، يظل سوق العمل قوياً بمعدلات بطالة منخفضة، مما يدعم ثقة المستهلكين واستعدادهم للإنفاق.
التحديات المقبلة للسياسة النقدية
يواجه البنك الاحتياطي الأسترالي تحدياً معقداً في الموازنة بين السيطرة على التضخم من جهة، وتجنب إلحاق ضرر كبير بالنمو الاقتصادي من جهة أخرى. البيانات الأخيرة تؤكد أن الطلب الاستهلاكي لا يزال قوياً بما يكفي لإبقاء الضغوط التضخمية مرتفعة.
في الوقت نفسه، يجب على البنك المركزي أن يأخذ في الاعتبار تأثير رفع الفائدة على المقترضين، خاصة أصحاب القروض العقارية الذين قد يواجهون ضغوطاً متزايدة على ميزانياتهم مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.
لمشاهدة المزيد من الأخبار الاقتصادية