كيف تؤثر التوترات الإيرانية-الأمريكية على تقلبات سوق النفط العالمية
تأثير النزاع الإيراني-الأمريكي على حركة النفط العالمية
التوترات الدبلوماسية في الشرق الأوسط تخلق تأثيرات معقدة على أسواق النفط العالمية تتجاوز نموذج العرض والطلب التقليدي. يقوم المتداولون بتحليل سيناريوهات المخاطر المختلفة باستخدام أوزان احتمالية متقدمة، ما يتيح تحديد علاوات جيوسياسية تعكس حالة عدم اليقين السياسي أكثر من تأثيرات الإنتاج الفعلية.
في النزاع الحالي بين إيران والولايات المتحدة، أثبتت الأحداث أن المفاوضات الدبلوماسية وحدها قادرة على توليد تقلبات كبيرة في أسعار النفط حتى في حال استمرار تدفق النفط دون انقطاع. فعلى سبيل المثال، سجلت عقود خام برنت الآجلة 68.05 دولارًا للبرميل خلال مناقشات فبراير 2026، بارتفاع قدره 0.74% خلال أسبوع واحد فقط من عدم اليقين الدبلوماسي، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 63.55 دولارًا للبرميل مع مكاسب بنسبة 0.41%.
يعمل المشاركون في السوق في ظل ظروف تتغير فيها تقديرات المخاطر الجيوسياسية خلال ساعات، بناءً على تطورات المفاوضات أو التصريحات الرسمية، مما يخلق ما يسميه المحللون “توتر الوضع الراهن”، حيث تتحرك أسعار النفط بشكل ملحوظ خلال اليوم استنادًا إلى المعلومات أكثر من الاعتماد على أساسيات العرض والطلب.
أسباب تقلب أسعار النفط خلال التوترات الإيرانية-الأمريكية
السيكولوجيا السوقية وتقييم المخاطر
تركيز الإنتاج والنقل في منطقة جغرافية محددة يزيد من هشاشة السوق ويجعل الأسعار حساسة لأي تطور سياسي. فمثلاً، يمر حوالي 21% من إجمالي استهلاك النفط العالمي عبر مضيق هرمز، ما يجعله نقطة اختناق حيوية تؤثر على التسعير العالمي.
خلال مفاوضات فبراير 2026، أظهرت أنماط التداول كيف تؤثر المعلومات على تقلب الأسعار: شهد خام برنت وWTI انخفاضات ليلية أعقبها ارتفاعات تجاوزت دولارًا واحدًا للبرميل خلال جلسات التداول الأمريكية، قبل أن تستقر الأسعار عند الإغلاق، ما يعكس تفاعل المتداولين مع التطورات الدبلوماسية أكثر من اعتمادهم على اتجاهات العرض.
تباين أولويات الطرفين في المفاوضات أضاف طبقة أخرى من عدم اليقين؛ إذ ركزت إيران على برنامجها النووي بينما ركزت الولايات المتحدة على الصواريخ الباليستية وشبكات النفوذ الإقليمية، ما أبقى المستثمرين متوترين بشأن احتمالات التصعيد.
الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط
تلعب سياسات المخزون الوطني دورًا حاسمًا في استقرار الأسعار عند حدوث أي اضطراب محتمل في الإمدادات. تُعد آليات إطلاق الاحتياطيات الاستراتيجية أدوات تدخل فعالة لاحتواء الأسعار، رغم أن مستويات المخزون الحالية وإجراءات التنسيق بين الدول المستهلكة تحتاج متابعة مستمرة.
تشير أسعار البيع الرسمية للخام العربي الخفيف في آسيا إلى مستويات منخفضة لم يُشهد لها مثيل خلال خمس سنوات بحلول مارس 2026، وهو ما يعكس رغبة المنتجين في الحفاظ على حصتهم السوقية حتى وسط حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
تأثير مضيق هرمز على الأمن الطاقي العالمي
تحليل البنية التحتية الحيوية
يعد المضيق الذي يفصل بين عمان وإيران الطريق الرئيسي لصادرات عدة دول خليجية، بما في ذلك السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران، ما يجعل أي تهديد لحركة السفن فيه مؤثرًا عالميًا بغض النظر عن الدولة المتضررة من النزاع.
الاعتماد على مضيق هرمز حسب الدولة:
| الدولة المصدر | الاعتماد على المضيق | الأهمية الاستراتيجية |
|---|---|---|
| السعودية | الطريق الرئيسي لتصدير الخام | أكبر مصدر عالمي |
| الإمارات | أساسي لتدفقات الخام | مركز تجاري رئيسي |
| الكويت | مسار تصدير حيوي | عضو مهم في أوبك |
| العراق | مصدر دخل رئيسي | يعتمد على إعادة الإعمار |
| إيران | عضو أوبك | تأثير العقوبات متفاوت |
توفر بدائل مثل خطوط أنابيب تركيا، شحن البحر الأحمر، والنقل البري طرقًا بديلة ولكنها أكثر تكلفة، ما يخلق مستوى سعريًا أدنى أثناء أي اضطراب بحري محتمل.
الآليات الاقتصادية لتأثير النفط
التضخم والتكاليف على المستهلكين
تؤثر صدمات أسعار الطاقة على النقل، والصناعات التحويلية، والنفقات الاستهلاكية، مما يفرض على البنوك المركزية موازنة بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي. تتضمن القنوات الاقتصادية الرئيسية:
- قطاع النقل: ارتفاع تكاليف الوقود يؤثر على شركات الطيران والشحن.
- الصناعات التحويلية: انخفاض هوامش الربح بسبب زيادة تكلفة الطاقة.
- المؤشرات الاستهلاكية: ارتفاع أسعار البنزين والوقود المنزلي يضغط على ميزانيات الأسر.
- تأثيرات أجور الأسعار: طلب العمال على تعويضات أعلى يعزز التضخم.
الدول المستوردة للطاقة تواجه تحديات أكبر من الدول المنتجة، بينما الاقتصاديات الناشئة قد تتعرض لضغوط مزدوجة من ارتفاع التكاليف وهروب رؤوس الأموال.
تقييم المخاطر في أسواق الخيارات
تعكس علاوات الخيارات توقعات السوق بشأن احتمالات ارتفاع أسعار النفط بسبب الصراع. يظهر السوق ميولًا نحو:
- ارتفاع المخاطر قصيرة الأجل
- توقعات بارتفاع محتمل في الأسعار
- طلب على حماية الأسعار للأسفل عبر عقود البيع
تشير أنماط الانحسار العكسي (Backwardation) إلى أن المخاوف قصيرة الأجل تهيمن على السوق أكثر من التوقعات طويلة الأجل.
السيناريوهات المحتملة للأسعار
- حل دبلوماسي سريع: انخفاض العلاوات الجيوسياسية وعودة الأسعار لمستويات أساسيات العرض والطلب.
- تصعيد محدود: استمرار العلاوات المرتفعة دون تعطيل كبير للإمدادات.
- توسع النزاع الإقليمي: ارتفاع الأسعار إلى مستويات تاريخية (قد تصل إلى 91 دولارًا للبرميل بحلول أواخر 2026) مع احتمال تفعيل الاحتياطيات الاستراتيجية وخفض الاستهلاك.
تأثير البنية التحتية والتكرير
تؤثر النزاعات على الإنتاج الخام وكذلك على قدرات التكرير الإقليمية. على سبيل المثال، أظهرت أزمة حقل تينجيز في كازاخستان خلال أوائل 2026 كيف يمكن أن تزيد المشاكل التقنية من حدة المخاطر الجيوسياسية.
تزيد تأمينات الشحن والسلامة البحرية من التكاليف التشغيلية، حيث ترتفع أقساط التأمين وحماية الطواقم، مما ينعكس على الأسعار النهائية للمنتجات البترولية.
التحول إلى الطاقة البديلة
ارتفاع تقلبات أسعار النفط يعزز جدوى الاستثمار في الطاقات المتجددة ويحفز الدول المستوردة على تطوير سعاتها المحلية. مع ذلك، يخلق التحول إلى الطاقة تحديات جيوسياسية جديدة تتعلق بالمعادن الأساسية المطلوبة للبطاريات والتقنيات المتجددة، مثل الليثيوم والكوبالت والمعادن النادرة.
دروس التاريخ
- حرب إيران والعراق (1980-1988): أوضحت قدرة الأسواق على التكيف عبر زيادة الإنتاج البديل واستعمال الاحتياطيات الاستراتيجية.
- حرب الخليج (1990-1991): أظهرت سرعة تلاشي العلاوات الجيوسياسية بعد استقرار الأوضاع وتأثير الذاكرة السوقية على الأسعار.
خلاصة
توتر إيران والولايات المتحدة يسلط الضوء على مرونة الأسواق النفطية العالمية وأهمية فهم آليات التأثير الجيوسياسية والاقتصادية المتشابكة. إدارة التقلبات تتطلب تنسيقًا دوليًا في الاحتياطيات، تطوير الطاقة البديلة، وبروتوكولات إدارة الأزمات لضمان استقرار النمو الاقتصادي العالمي.